الصعيدي «لما يعشق.. يموت في الربابة»

الجمعة 24 نوفمبر 2017 12:19
كتب: نهى حمدي

في ظلمة الليل يسير وحيدًا ليس بصحبته سوى قفص خشبي بداخله صنعته ومحبوبته ومصدر رزقه، يجوب الشوارع ينشر ألحانه لتتطاير في الهواء كما يطير العطر جاذبًا أذان المارة للسماع، وربما يرق قلب السامع للشراء، فعزفه على ربابته هي ألة تعريفه عن نفسه وبضاعته وممارسة للحرفة التي خلقت له وخلق لها.

أنامل لا تعرف سوى ألعاب الفن والعزف وصناعة الربابة داخل بيته " أنا اللي بصنع الربابة في البيت، بجيب الخشب من عند النجار والخيط وأبدا أشتغل عليهم"، قالها العازف المغمور ذو الموهبة الكبيرة المندثرة إلى حد ما " اتعلمت من صغري في سن 13 سنة، العزف على الربابة على أيد جدي ووالدي فالعائلة بأكملها ورثت العزف على الربابة أبًا عن جد" أما عن صنعها فكانت أول ما شاهدته عيناه منذ أن كان طفلًا يحبي بين بقايا الخشب والخيط.

شب "سيد الصعيدي" على حبه لكل أنواع الالآت الموسيقية تاركًا من أجل عيونهم التعليم برمته" أنا سيبت التعليم عشان بحب الربابة ومن قبل  الربابة كمان كنت بطبل على الطبلة، وجربت كل الفنون الشعبية، ووصلت إن اشتغل فنون شعبية في الإذاعة والتليفزيون، و وفضلت اتنطط في  مسارح مصر كلها، من البالون للسامي للثقافة الجماهيرية مخلتش مسرح مدخلتهوش".

ومع رائجة الفن حرام وسكة الفن نهايتها ليست جيدة، ترك "الصعيدي" المسارح والتليفزيون متفرغًا لصناعة الربابة داخل منزله" يعدت عن الفن وبدأت أصنع الربابة وابيعها وأكسب لقمة من الحلال، لأن سكة الفن مش حلوة"، ليفضل الرزق القليل "ببيع الربابة الواحدة على حسب تكلفتها ممكن 5 جنية وممكن 25 على حسب"، ليكتوي بغلاء الأسعار كغيره من المنتمون لطبقة لا تملك دخلًا ثابتًا في الرزق باليوم " أنا عشان انزل أجيب خامات وبضاعة لازم يكون معايا 2000 جنيه، ممعيش بفضل قاعد في البيت لحد لغاية ما تفرج".

مشوار حفظته قدامه عن ظهر قلب كما حفظ وجهه أهالي المعادي والمعصرة "أنا بيتي في المعصرة أجي المعادي ألف فيها بنزل من بعد العصر أخدها من الأتوستراد لف في الشوارع لغاية لحد ما أبيع حاجة مبعتش بفضل الف لحد ما يجي معاد أخر مترو يمكن أطلع بتاع 50 أو 60 جنيه وأروح وبعدين أروح البيت "، الفن له ناسه كما يقولون وأدرى الناس بصناعة الفن صناعها " احنا  بتوع الربابة قليلين في  مصر كلنا نعرف بعضينا  ومعروف إن فلان بيعزف وهكذا".

وعلى الرغم من قلة الحيلة إلا أنه يمتلك من القناعة ما يكفيه "في أيام ببيع فيها كويس وأيام لا، لكن الشتاء أيامه كلها تعبانة معايا، لكن في الصيف، اللي بستلفه في الشتاء بقدر أسده في الصيف، ربنا مبينساش حد"، لم يترك بابًا واحدًا دون أن يطرقه حتى يحصل معاش أو راتب ثابت يكفي به إلتزاماته الشهرية ليس أكثر، فقد  قدم على معاش السيسي ولكن لم يلقى رد، ليذهب إلى الجمعيات الخيرية ومساعدات المقتدرين.

"فكرت أجيب تروسيكل واعمل مشروع تعبت من اللف في الشوارع مبقاش عندي جهد، بس هجيب  بايه هقدم على قرض معنديش حاجة تبقى ضمان، كل اللي  بنسمعه عن مشروعات للفقراء وقروض كلام في الهواء"، مصر  بقت تعجز أي حد قالها الرجل الأربعيني بعد أن أغلقت كل الأبواب في وجه فلديه من الأقساط تكفيه بأن يقضي الباقي من عمره داخل زنازين المحروسة " 60 ألف جنيه أقساط عشان أجوز بنتي، ممكن اتسجن في أي لحظة ولو موت حتى عفش بيتي لو حجزوا عليه ميجيبش حاجة "، لا زال حبه للفن قائمًا ولكنه لا يستطيع العودة بعد أن هجم النسيان على عقله فهو لم يعد لديه سوى بضع الألحان الذي يسير بها من أجل الرزق.