حسن أبوالعلا يكتب : كان لابد يا مروة أن تضيئي النور

الأحد 11 فبراير 2018 12:03
كتب: حسن أبو العلا

 إبتسامتها تكفي لنشر البهجة على سكان كوكب الأرض، وملامح وجهها الأسمر الجميل تمنحنا نوعا من الطمأنينة، وشقاوتها تغسل الروح المثقلة بالهموم، إنها الطفلة مروة حسن ابنة مدينة أسوان التي كتبت بعزيمتها وإصرارها سطرا جديدا في سجلات الناجحين الذين لا يهزمهم اليأس، ولا تنكسر أحلامهم على عتبة الفقر .

مروة التي لم تتجاوز الحادية عشرة من عمرها، حلمت بأن تلعب مثل أقرانها، لكن ظروف والدها المادية لم تكتب لهذا الحلم أن يتحقق، فخرجت الابنة الصغيرة لتبيع المناديل في محطة قطار أسوان، جنيهات قليلة تعود بها في نهاية اليوم، تمنحها لوالدها الرجل البسيط الذي يعمل باليومية، لكن عناء العمل لم يكبح جماح الحلم داخل الملاك الصغير، وكأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتنتفض وتصرخ في مجتمع لم ير فيها سوى بائعة مناديل، رغم أنها قد تكون مشروع بطلة ينظر إليها الملايين بإجلال وإنبهار .

ومثلما يغسل ابن مصر النبيل الدكتور مجدي يعقوب أحزان مرضاه، كان سببا أيضا في غسل أحزان مروة التي لم تكشف عنها لبشر، فالماراثون الخيري الذي تم تنظيمه في أسوان لصالح مؤسسة مجدي يعقوب لأمراض القلب غسل أحزان مروة، وحقق حلمها في الكشف عن قدراتها لا يعرفها أحد، فقد وجدت في سباق الماراثون وسيلة لتقول "أنا هنا" .

في البداية حاول البعض أن يبعد مروة عن المشاركة في الماراثون بحجة أنها لا ترتدي ملابس رياضية ولا ترتدي حذاء رياضي، مما إضطر الفتاة السمراء أن تجري حافية القدمين، ولكن إرادة مروة وإصرارها جعل الحديد يلين، وتمت الموافقة على مشاركتها، لتنطلق في السباق وسط أبناء طبقة لا تعرف حجم معاناتها اليومية في بيع المناديل، ولا تدرك مأساتها وهي ترى أحلامها المجهضة تتبخر بسبب الفقر، فكانت مروة تجري في سباق مع حلم تسعى لتحقيقه، متسلحة بعزيمة لا تعرف الإنكسار.

انتهى السباق ووقف المئات وقد أصابتهم الدهشة، فحافية القدمين فازت بالمركز الأول، وأصبحت مروة حسن هي البطلة، لينحني المستحيل أمامها معتذرا بأدب شديد، فأنت يا ابنة الجنوب أقوى من المستحيل، وغدا ربما تقفي على منصات التتويج تزين عنقك ميداليات من الذهب .     

لم أجد أفضل من عنوان قصة قصيرة للكاتب الكبير الراحل يوسف إدريس "أكان لابد يا لي لي أن تضيئي النور" لأستعيره، لكن الاستفهام في العنوان الأصلي ليس له محل من الإعراب في حالة مروة، فهي بعزيمتها وإرادتها وقدرتها على الحلم كان لابد أن تضيئ النور لها ولكل الحالمين بالنجاح مهما كانت قسوة الحياة.